عندما يصبح الصمت أقوى من الكلام

موقع أيام نيوز

قصة مريم 
عندما يصبح الصمت أقوى من الكلام
كانت الشمس في أوج ارتفاعها فوق سماء الجونة، ترسل أشعتها الذهبية لتلقي ببريق ساحر على مياه البحر الأحمر التي كانت تتلألأ كأنها مرصعة بآلاف الألماس. الهواء كان يحمل رائحة الملح الممزوجة بروائح الزهور العطرية، وفي قلب هذا المشهد الساحر، يقف فندق نجمة البحر الفاخر، ذلك الصرح الذي يُعد واحدًا من أفخم المنتجعات في المنطقة، والذي يجمع بين الأصالة الشرقية والحداثة الأوروبية بطريقة مبهرة.
في بهو الفندق الرحب، كانت الأرضيات من الرخام الإيطالي الأبيض الذي يعكس الأضواء الساطعة، والأعمدة مزخرفة بنقوش دقيقة، والنوافذ الزجاجية العملاقة تطل على منظر بانورامي للبحر. المكان يفوح برائحة الفانيليا والعود الفاخرة، والموسيقى الهادئة تعزف في الخلفية لتضفي على المكان جواً من الهدوء والترف الذي لا يُقدر ثمنه.
كانت العائلة مجتمعة، كلها في كامل زينتها، تحتفل بعيد ميلاد الحاجة كريمة، والدة شريف زوج مريم، التي أكملت الستين عامًا. كانت الحاجة كريمة امرأة تعشق المظاهر، تضع من الماكياج ما يوحي بالجمال الصارخ، وترتدي أغلى الألماس والملابس، وتتحدث بلهفة تملؤها الثقة الزائدة والغرور الذي لا يخفى على أحد. كانت ترى نفسها سيدة المجتمع، قائلة الكلمة، ولا يصح إلا الصحيح وفقًا لمنطقها هي.
وبينما كانت السعادة تملأ المكان، وتوزع الحاجة كريمة كروت الغرف الذهبية على أفراد العائلة واحدًا تلو الآخر، كان الجميع يبتسم ويشكر، إلا مريم.
مريم كانت تقف في المنتصف، شامخة رغم كل شيء، ترتدي فستانًا بسيطًا لكنه يليق بها كثيرًا، يعكس ذوقها الرفيع كمهندسة ديكور ناجحة. كانت عيناها الواسعتان تتابعان المشهد بهدوء غريب، لكن قلبها كان يعتصر ألماً وأسى. لقد حان دورها، مدت يدها لتستلم كارتها، لكن الحاجة كريمة نظرت إليها بتلك الابتسامة التي تجمع بين الود المزيف والاستعلاء الواضح، وقالت بصوت مسموع لمن حولها
يا حبيبتي يا مريم... حصلت لخبطة بسيطة كده في الحجز بتاعك.
تجمدت مريم في مكانها، وشعرت بأن نظرات الجميع تتجه نحوها. نظرت إلى شريف، زوجها الذي أحبته وتزوجته منذ خمس سنوات، باحثة عن أي كلمة دعم، عن نظرة حنان، عن دفاع ولو بسيط. لكن شريف نظر إليها نظرة سريعة مليئة بالحرج، ثم أشاح بوجهه جانباً وقال بصوت خاڤت لا يكاد يسمع أنتِ عارفة أمي وطبعها، بلاش حساسية زيادة، مش عايزين مشاكل.
كلماته كانت كالخناجر التي تغرس في قلبها. لم يكن الألم في كلام حماتها فقط، بل في تخلي زوجها عنها، في صمته الذي وافقها الرأي، في جعله لها تشعر وكأنها ضيفة ثقيلة لا مكان لها بينهم.
أما باقي أفراد العائلة، أخته نهى التي كانت دائمًا تقلد والدتها في كل شيء، نزلت بصرها إلى الأرض وكأنها ترتكب جرمًا بالنظر إليها. والحاج محمود، والد شريف، أظهر انشغالًا شديدًا بحقيبة يده وكأن ما يحدث لا يعنيه شيئًا. الجميع صمتوا، والصمت كان أقسى من أي كلام يمكن أن يقال.
تابعت الحاجة كريمة كلامها وهي تعدل من نظارتها الشمسية الذهبية، وتنظر لمريم من أعلى لأسفل
بصراحة يا بنتي، الأوتيل ده غالي جدًا ومستواه عالي شوية. مش متأكدة إنك هتاخدي راحتك هنا. إنتِ ست بسيطة وعلى قد حالك، ومن بيئة مختلفة عن الأجواء دي. يمكن تحسي بالغربة أو إنك مش من المكان ده أصلاً.
ضحكت ضحكة خفيفة ساخرة، ثم أضافت بس متقلقيش يا حبيبتي، أكيد هتلاقي بنسيون كويس برة، فيه أماكن محترمة وأسعارها مناسبة لظروفك، وتقدري تيجي تزورينا وقت ما تحبي.
في تلك اللحظة، شعرت مريم بأن الهواء قد انقطع في صدرها. الإهانة كانت

تم نسخ الرابط