عندما يصبح الصمت أقوى من الكلام

موقع أيام نيوز

اللي على البحر مباشرة، واللي محجوزة خصيصاً لحضرتك بأمر من مجلس الإدارة. كل الخدمات متاحة لحضرتك والعائلة الكريمة على أعلى مستوى، والحساب كله مشمول من أول لحظة.
ثم عاد ينظر لمريم وقال تفضلي يا فندم، كل شيء جاهز. مجلس الإدارة بلغونا إن حضرتك صاحبة الحصة الأكبر في الفندق، ومشرف عام على التصميم الداخلي لكل الفروع، واحنا تحت أمرك في أي وقت.
في تلك اللحظة، سقطت نظارة الحاجة كريمة من على عينيها، وشعرت وكأن الأرض قد انشقت وابتلعتها. لون وجهها تحول إلى شاحب شديد، وساقاها ارتجفتا بشدة لدرجة أنها كادت أن تسقط لولا أن تمسكت بذراع ابنتها نهى.
صاحبة الحصة الأكبر؟! صاحبة الفندق؟!
هي كانت تقول لها إنها ست بسيطة وعلى قد حالك! وكانت تنصحها بالذهاب للبنسونات! والفندق كله باسمها وتحت إدارتها أصلاً!
نظرت الحاجة كريمة إلى المكان حولها، الرخام اللامع، الديكور الفخم، الموظفون الذين ينحنون احتراماً لكنتها.. كل ده ملك لمريم؟! كل ده تحت يدها؟!
شريف وقف كالتمثال، صدمة كبيرة تملأ وجهه. هو طوال خمس سنوات وهو يصدق كلام أمه، ويرى مريم بهذا المنظور الضيق، ويخبرها بأنها بسيطة وعلى قدها، ولم يعرف أو لم ينتبه أو ربما تجاهل أن زوجته امرأة ناجحة، تمتلك شركاتها الخاصة، واستثماراتها، وأن هذا الفندق الذي أتوا إليه هو جزء من أملاكها!
كيف حدث ذلك؟ كيف لم يعلم؟ لأن مريم كانت دائمًا هادئة، لا تتكلم عن نفسها ولا عن أموالها ولا عن عملها إلا بقدر، تواضعها كان سلاحھا، والآن تحول إلى سيف مسلط على رقاب من قللوا منها.
نهى وأبوها والحاضرون جميعاً أصيبوا بالذهول، نظراتهم ما بين مريم الواقفة بكل كبرياء وأناقة، وبين الحاجة كريمة التي تبدو وكأنها أصيبت بصاعقة.
مريم لم تقل شيئًا، لم تنتصر عليهم بكلمة، لم تقل أنا قلت لكم، فقط نظرت للمدير وقالت بصوت هادئ لكنه حازم شكرًا يا أستاذ رأفت. المهم دلوقتي، عايزة كل الغرف اللي محجوزة للعائلة تتغير ل أجنحة ملكية، واللي محتاجين زيادة غرف ياخدوا على طول. وكل مصاريف الإقامة والاحتفال والعشاء الليلة دي على حسابي الخاص.
ثم التفتت ببطء شديد نحو الحاجة كريمة، وقالت لها كلمات كانت كفيلة بأن تمحو كل ما قيل قبل دقائق
ولا يهمك يا ست كريمة، اللي حصل حصل. زي ما قلتِ، الأوتيل ده مستواه عالي، ويمكن أنا فعلاً مش من المكان ده.. لأني أصلاً صاحبته.
توقفت للحظة، ثم أضافت والدموع تترقرق في عينيها لكنها لم تسقط، دموع الفراق لا دموع الحزن
بس للأسف يا حماتي، الأجواء دي غالية عليا أوي، ومش أي حد يقدر يتحملها.. ولا يتحمل وجودي معاه فيها. شريف، خد أهلك واستمتعوا بالوقت، أنا هكون في الفيلا الخاصة بي، ومش عايزة حد يزعجني.
التفتت واتجهت نحو المصعد الفخم الذي فتح له بابها خصيصاً، والمدير يمشي بجانبها، والموظفون ينحنون لها وهي تمر.
تركت خلفها صمتاً مربعاً، وخجلاً دفيناً، وندماً قد لا ينتهي.
تركت حماتها تقف في مكانها، تتمنى أن تختفي من على وجه الأرض، بعد أن كشفت الأيام حقيقتها، وحقيقة من كانت تحتقره وتقلل من شأنه.
تركت زوجها شريف، الذي أدرك متأخراً جداً، أنه خسر أغلى إنسانة في حياته، وأنه فضل صمت أمه وكلامها على حب زوجته وكرامتها، وأنه بيده هو من حطم السفينة التي كان يركبها.
في تلك اللحظة، في فندق نجمة البحر، لم تكن مريم هي الخاسرة، بل كانوا هم. هي خرجت منتصرة، بكرامتها التي صانتها، وبنجاحها الذي تحدث عن نفسه بصوت أعلى من كل السخريات.
أما هم.. فبقوا
تم نسخ الرابط