عندما يصبح الصمت أقوى من الكلام
المحتويات
يواجهون مرارة الواقع، ومرارة كلماتهم التي ردت إليهم أضعافاً مضاعفة.
الفصل الثاني مرارة الصمت وثمن الغرور
مرت الساعات الأولى بطيئة وثقيلة على العائلة. الجو في الأجنحة الملكية التي نقلوا إليها بأمر من مريم كان فخماً لدرجة مخيفة، لكنه لم يكن يشعرهم بالراحة، بل كان يزيد من شعورهم بالضيق والحرج. كل قطعة أثاث، كل خدمة مقدمة، كل نظرة احترام من العاملين، كانت تذكرهم بمن كانوا يستهينون بها، وبمن أعطاهم كل هذا وأكثر.
الحاجة كريمة كانت تجلس على كنبة فخمة ذات مخمل أحمر، لا تتكلم، شاردة الذهن، يداها ترتجفان قليلاً. كانت تعيد في مخيلتها كل كلمة قالتها، كل نظرة سخرية أطلقتها، كل موقف قللت فيه من شأن كنتها. تذكرت كيف قالت لها ست بسيطة وعلى قد حالك وكيف نصحتها بالبنسونات! والآن علمت أن البسيطة هذه هي من تملك هذا الصرح العملاق، وأن حالها أعلى وأكبر بكثير من حالهم جميعاً مجتمعين.
شريف كان يسير ذهاباً وإياباً في الغرفة الواسعة، وجهه عابس، علامات الندم والحسړة بادية على محياه. هو لم يكن سيئاً بالمعنى الحرفي، لكنه كان ضعيف الشخصية، ېخاف أمه، ويهاب كلامها، ويؤثر السلامة على حساب الحق، وعلى حساب مشاعر زوجته التي تحملته وصبرت معه خمس سنوات طويلة.
قال أخيراً بصوت مخڼوق ليه عملتي كده يا أمي؟ ليه وصلتي بيها لكده؟ أنا قلت لك ألف مرة سيبيها في حالها، هي طيبة ومش بتتكلم.
التفتت إليه الحاجة كريمة بعيون حمراء وصوت يكاد يبكي من الغيظ والخجل أنا عرفت منين يا شريف؟ هي طول عمرها لابسة هدوم بسيطة، ومش بتتباهى بحاجة، ولا بتقول كلمة كبيرة.. كنت فاكراها فعلاً زي ما هي شايلة نفسها، ست عادية ومحدش لاحقها! والله العظيم كنت فاكر نفسي بعملك معروف إنك متجوز واحدة مؤدبة ومش غالية!
غلطانة يا أمي.. غلطانة في كل كلمة قلتيها قالها شريف بمرارة مريم مش بس غنية، هي محترمة جداً، وعندها أخلاق مش بنلاقيها. وانتي اللي دفعتيني أخسرها.. أنا حاسس إنها خلاص مش طايقة تشوف وشي.
نهى كانت تجلس في الركن، صامتة، تشعر بالخزي. هي التي كانت تقلد أمها في السخرية من مريم، وتقول عنها رثة الهيئة ومش على قدنا. والآن ترى الفيلا التي تسكنها مريم، والتي قيل لها إنها أفخم فيلا في الفندق بأكمله، وتدرك كم كانت صغيرة وسطحية في تفكيرها.
في هذه الأثناء، كانت مريم تجلس في شرفة الفيلا الملكية المطلة على البحر مباشرة. النسيم العليل يداعب شعرها، وصوت الأمواج يصدر لحناً شجياً يريح النفس. لكنها لم تكن سعيدة كما ينبغي للمنتصر أن يكون. نعم، كرامتها انتصرت، نعم، أغلقت أفواه المتحدثين، لكن الألم الذي في قلبها كان أكبر من أي انتصار.
خمس سنوات.. خمس سنوات من الصبر، من التحمل، من محاولة إرضاء الغير، من السكوت عن حقها خوفاً من المشاكل، وخوفاً على بيتها وزوجها. وفي النهاية، ماذا وجدت؟ وجدت أن الصمت يُفهم ضعفاً، والتواضع يُفهم نقصاً، والطيبة يُستغلها من لا يرحمون.
تذكرت كلام شريف دائماً أنتِ عارفة أمي، بلاش مشاكل، مش هتاخدي من الدنيا غير تعب. نعم هي لم تأخذ غير التعب، رغم أنها تستخدم كل خير الدنيا.
طرق الباب بهدوء، وصوت المدير رأفت يقول من الخارج ممكن أدخل يا بشمهندسة؟
أذنت له بالدخول، فدخل وهو يحمل صينية عليها كوب من الشاي الأخضر وبعض الفواكه المنوعة.
وضعها أمامها وقال باحترام أمرتِ خير يا فندم. كل حاجة تمام؟ العشاء اللي طلبتيه للعائلة جاهز، وكل طلباتهم ننفذها فوراً زي ما حضرتك
متابعة القراءة