عندما يصبح الصمت أقوى من الكلام
المحتويات
قلتي.
شكرته مريم بابتسامة باهتة وقالت شكرًا يا أستاذ رأفت. تعرف، أنا طلبت كده مش عشان أريحهم، لا.. عشان أثبت لنفسي أولًا، ولهم تانيًا، إن الفرق بينا مش في الفلوس ولا في المكانة، الفرق في الأخلاق والتربية اللي بتخلي الواحد يعرف قيمة الناس.
تنهدت بعمق وأضافت هم شايفين إنهم أهلي، وإن المفروض أكون تحت أمرهم، بس نسوا إن اللي بيحب بيجبر، واللي بيكره بيكسر. أنا عمري ما قصرت مع حد، وعمري ما رفعت صوتي على حد، بس للأسف كتر الخير بيقلب عيب.
قال المدير بحكمة الناس يا فندم غالباً بتحكم من غير ما تعرف، وشكلهم بيغرهم، والظاهر بيخدعهم. لكن الحق ما بيموتش، ووقته بينصف أصحابه. حضرتك ست كبيرة ومحترمة، والكل هنا عارف قيمتك ومقدارك.
بقيت مريم تفكر، هل هي تستمر في هذه العلاقة؟ هل تسامح وتنسى؟ أم أن ما حدث اليوم كان نقطة النهاية التي رسمها القدر لها لتتحرر من قيود كانت تثقل روحها؟
الليل أظلم المكان، والأضواء الساطعة في الفندق بدأت تلمع كالنجوم المتناثرة على الأرض. حان وقت العشاء الكبير الذي أقيم في صالة خاصة تجميع العائلة، لكن الجو كان بارداً رغم الدفء المكاني.
دخلت مريم عليهم في وقت متأخر قليلاً. كانت ترتدي فستاناً ساحراً بلون أزرق داكن يعكس لون البحر، تزينه لمسات بسيطة من الفضة، وشعرها منسدل على كتفيها بأناقة طبيعية. لم تضع الكثير من الزينة، لكن جمالها الداخلي والخارجي كانا يضيئان المكان أكثر من أي مصباح.
وقف الجميع تلقائياً احتراماً لمواجهتها، أو ربما خوفاً وحرجاً مما فعلوا.
توجهت إلى رأس الطاولة، وجلست بهدوء، ثم أشارت لهم بالجلوس.
قالت الحاجة كريمة بصوت خاڤت ومتقطع، تحاول أن تصلح ما أفسدته مريم يا بنتي.. والله ما كنت أقصد حاجة وحشة، كل اللي حصل كان سوء تفاهم، أنا والله بحبك زي بنتي بالظبط...
قاطعتها مريم بنظرة هادئة لكنها حاسمة، وقالت بصوت واضح ست كريمة، اللي فات ماټ، ومش هعيد كلام. أنا عمري ما قلت لحد كلمة توجع، وعمري ما أذيت حد، بس قلبي مش حجر. اللي يحس بيك بيحس، واللي مش حاسس.. كلام الدنيا كله مش هيعمل حاجة.
ثم التفتت إلى شريف، ونظرت في عينيه نظرة طويلة، نظرة وداع لا نظرة لقاء، وقالت
شريف، خمس سنين حاولت فيها أكون أحسن زوجة، وأحسن كنة، حاولت أملأ البيت سعادة وسکينة. وسكت كتير، وتحملت كتير، عشان خاطرك انت بالذات. بس لما وقفت في الريسبشن ولقيتك سايبني أتأذى لوحدي، ولقيتك مش قادر تقول كلمة الحق.. وقتها عرفت إن الحب مش كفاية، والاحترام اللي مفقود مش بيجيبه غير اللي عايزه.
أخذت نفساً عميقاً وأكملت والدموع تسقط حرة هذه المرة
أنا مش زعلانة من اللي حصل النهاردة، أنا زعلانة من نفسي اللي استنيت كتير، وزعلانة منك اللي خليتني أشك في نفسي كتير. الفندق ده ملكي، والفلوس دي فلوسي، والمكانة دي مكانتي.. بس اللي كان ناقصني هو الأمان اللي المفروض ألاقيه معاك، ومش لقيته.
بكرة الصبح، المحامي بتاعي هيجيلك الأوراق اللازمة. كفاية خمس سنين ضاعوا في الهوا، وكفاية ألم. كل واحد فينا هيمشي في طريقه، انت مع أهلك، وأنا مع نفسي وكرامتي اللي غالية عليا أوي.
صمت المكان تماماً، لم يعد يسمع فيه إلا صوت أنفاسهم المضطربة.
شريف شحب لونه تماماً، ووقع الكلام عليه كالصاعقة. حاول أن يتكلم، أن يعتذر، أن يقول أي شيء، لكن الكلمات خانته، ودموع الرجال التي لا تنزل إلا في أقسى المواقف، انهمرت من عينيه.
أما الحاجة كريمة، فقد أدركت حينها أنها
متابعة القراءة