عندما يصبح الصمت أقوى من الكلام
كرامة تحترم، وقرار يحترم.
بعد مرور عام كامل على تلك الحاډثة، كانت الدنيا قد دارت دورة كاملة.
مريم أصبحت أكثر نجاحاً وتألقاً، توسعت أعمالها، افتتحت فروعاً جديدة لشركتها في عدة دول عربية، وأصبح اسم المهندسة مريم صبري يُذكر بكل احترام وتقدير في الأوساط الهندسية والاجتماعية. كانت جميلة، أنيقة، ناجحة، لكنها احتفظت بتواضعها الجم، لم يتغير طبعها رغم كل ما وصلت إليه. كانت تساعد المحتاجين، تتبنى مشاريع خيرية، تعامل الناس بأرقى الأخلاق، لتثبت أن المال لا يصنع الرجال، وأن الأخلاق هي الميزان الحقيقي.
أما شريف، فحياته أخذت منحنى آخر. حاول أن يتزوج مرة أخرى، لكن كل المحاولات باءت بالفشل، لأنه كان يقارن دائماً بين من يتقدم لهن وبين مريم، فيجد أن الكمال الذي كان بين يديه قد ضاع بسببه وبسبب غرور أمه. أصبح صامتاً، منطوياً على نفسه، يشعر بفراغ كبير لا يملأه شيء.
والحاجة كريمة، مرضت مرضاً ألقاها في الفراش لفترات طويلة، لم يكن المړض جسدياً بقدر ما كان مرضاً نفسياً وروحياً. كانت تتذكر مريم، طيبتها، صبرها، احترامها لها رغم كل الإساءة، وتبكي بحړقة. كانت تقول لابنتها نهى دائماً أنا اللي خليت ابنها يخسرها، أنا اللي ډمرت بيتي بيدي. ربنا يسامحني، بس أنا مش سامحة نفسي.
في يوم من الأيام، وبينما كانت مريم في مكتبها الفخم في أحد أبراج القاهرة الجديدة، تعمل على تصميم مشروع جديد، دخل عليها السكرتير الخاص بها وأخبرها أن هناك سيدة تريد رؤيتها، وتقول إنها تعرفها منذ زمن بعيد.
تفاجأت مريم، لكنها أذنت بالدخول.
دخلت السيدة، وكانت.. الحاجة كريمة!
بدت عليها علامات التقدم في السن بشكل واضح، وهن العظم، وعيناها تفيضان بالدموع والحزن. اقتربت من مريم ببطء، وكأنها تقترب من شيء ثمين خشي أن يتحطم، وقالت بصوت مبحوح بالكاد يسمع
مريم يا بنتي.. سامحيني. والله العظيم جاية أطلب منك السماح قبل ما أموت. غلطت في حقك غلطة عمري، وندمانة عليها ندم ما لهش حدود. كنت عمياية شايفة غيرك، ومش عارفة قيمتك اللي ربنا أعطاها ليك.
انحنت قليلاً وقبلت يد مريم التي سحبتها بسرعة واحتضنتها هي، وقالت لها برقة أذهلت الجميع
يا ست كريمة، الله يسامحك ويشفيك، وأنا سامحتك من زمان. مفيش قلب بيتحمل زعل أو حقد، والدنيا أصلاً قصيرة أوي.
جلست الحاجة كريمة وبكت طويلاً، وبينما هي تبكي قالت كنت فاكراها كرامة وجاه ومنصب، طلعت أخلاق وتربية وقلل من الناس. ربنا يخليكي ليك ويوفقك، انتي تستاهلي كل خير والله.
خرجت الحاجة كريمة من عند مريم وهي تشعر براحة ضمير لم تشعر بها منذ زمن طويل، ورغم أن الچرح اندمل، إلا أن أثره بقي، فالعلاقة لم تعد كما كانت، والزمن لا يعود للخلف.
أما مريم، فقد أكملت طريقها، تاركة خلفها قصة تُحكى، وعبرة تُتلى.
علمت الدنيا كلها أن المرأة عندما تحب تكون كالزهرة الناعمة، ولكن عندما تُهان كرامتها تكون كالجبل الأشم الذي لا يحركه شيء. وعلمت أن التواضع صفة حميدة، لكن يجب ألا يصل حد أن يجعل الآخرين ينسون حجمك وقدرك.
وعاشت مريم سعيدة، مطمئنة، تملؤها الثقة بالنفس، مدركة أنها خسړت بيتاً ربما، لكنها ربحت نفسها وكرامتها التي هي أغلى وأبقى من أي بيت أو عشيرة.
وهكذا.. انتهت حكاية نجمة البحر، لتشرق شمس جديدة على حياة جديدة، لا مكان فيها للمهانة، ولا مكان فيها للضعف، فقط كبرياء أنثى عرفت طريق النور فسارت فيه واثقة الخطى، عالية المقام، لا يلتفت للخلف إلا ليعتبر لا لينتصر.
تمت بحمد الله.