عندما عادت زوجته اقوي من كل مرة
الفصل الأول شمس الغدير.. وبداية الطاحونة
لم يكن الطريق إلى قاعة الاحتفالات الكبرى بجامعة القاهرة مفروشًا بالورود، بل كان معبدًا بدموع مكتومة، وسهر لم تطلع عليه شمس، وتفاصيل دقيقة انحفرت في جدران شقة صغيرة تقع في أطراف حي مصر الجديدة. في تلك الشقة، ولست سنوات كاملة، عاشت شمس تفاصيل حياة لم تخترها لنفسها، بل اختارتها بحب لرجل ظنت أنه سيكون سندها ودرعها في الحياة.
كانت شمس مهندسة معمارية شابة، تخرجت بتفوق، وامتلكت من الموهبة ما يؤهلها لتسلق أعلى قمم النجاح في كبرى شركات المقاولات. لكن، في اللحظة التي ارتبطت فيها بشريف، تبدلت الأولويات. شريف، الشاب الطموح الذي كان يسعى للحصول على الماجستير ثم الدكتوراه في الهندسة المدنية، لم يكن يملك سوى طموحه، وجيب فارغ، وأحلام ناطحات سحاب يبنيها في خياله. أما شمس، فكانت تملك الإيمان به.
تزوجا في حفل عائلي بسيط، وانتقلا إلى الشقة الصغيرة التي تكفلت شمس بتأثيث معظمها من راتبها الخاص. ومنذ اليوم الأول، وُضعت المعادلة غير العادلة شريف يتفرغ لأبحاثه، ودراسته، وحضور المؤتمرات، وشمس تتحول إلى آلة تعمل ليل نهار لتغطية مصاريف المنزل، وتوفير المراجع الغالية، ودفع رسوم التسجيل، وطباعة الأبحاث.
كانت شمس تستيقظ في الخامسة صباحًا، تُعد الإفطار، وتترك له القهوة الساخنة بجوار مكتبه، ثم تندفع إلى عملها في مواقع الإنشاءات تحت أشعة الشمس الحاړقة والغبار. تعود في الخامسة مساءً، محملة بطلبات المنزل، لتبدأ نوبة عمل أخرى الطبخ، التنظيف، ثم الجلوس بجانبه حتى الفجر. لم تكن مجرد زوجة؛ كانت مساعد باحث، ومراجعًا لغويًا، وممولًا ماليًا، وقبل كل شيء، كانت الوتد الذي يستند عليه كلما تعثرت حساباته أو رفضت مجلة علمية نشر بحث له.
كم من ليلة في تمام الساعة الثالثة فجرًا، حين كان شريف يلقي بأوراقه يائسًا وېصرخ لن أنتهي أبدًا.. هذه المعادلة مستعصية، كانت شمس تقترب منه، تدلك كتفيه المتصلبين، وتضع أمامه كوبًا جديدًا من القهوة قائلة بنبرة مليئة باليقين ستفعلها يا شريف.. أنا أعلم من أنت. أنت الدكتور شريف مستقبلاً، وهذه الأوراق ستكون مجرد ذكرى.
لكن النجاح، حين يقترب، يغير النفوس الضعيفة. ومع دخول شريف العام السادس والأخير من أطروحته، بدأت نبرته تتغير. لم يعد يرى في تضحيات شمس حبًا، بل بدأ يراها واجبًا مفروضًا. وبدأت عيناه التي كانت تنظر إليها بامتنان، تنظر بضيق إلى يديها التي جفت من مواد البناء، ووجهها الذي أرهقه السهر والشمس، وملابسها العملية البسيطة التي كانت تختارها لتوفير المال من أجل تجاربه المعملية.
الفصل الثاني دخول ليلى وفصل الخېانة
في غمرة انشغال شمس بتأمين دفعة مالية أخيرة للمختبر الذي يتعامل معه شريف، ظهرت ليلى في حياة شريف. ليلى، فتاة في السادسة والعشرين من عمرها، متدربة جديدة في القسم الذي يشرف عليه شريف في الجامعة. كانت نقيض شمس في كل شيء؛ لم تعش طاحونة الحياة، ولم تعرف معنى السهر خلف مكتب خشبي لمراجعة معادلات الخرسانة المسلحة. كانت تأتي إلى الجامعة بكامل أناقتها، تفوح منها العطور الفرنسية، وتنظر إلى شريف باعتباره الأستاذ العبقري وليس الرجل الذي يعاني لدفع إيجار شقته.
بدأ الأمر باستشارات علمية، ثم تطور إلى أحاديث جانية في كافتيريا الجامعة، ثم إلى لقاءات خارج أسوار الجامعة. وجد شريف في ليلى ما يغذي غروره الذي بدأ ينتفخ مع اقتراب مناقشة الدكتوراه. ليلى كانت تمدحه لمجرد وجوده، بينما شمس كانت تذكره بالواقع، بالديون، وبالجهد الذي يجب أن يُبذل.
بدأ شريف ينسج في خياله مبررات لخيانته. أقنع نفسه بأن شمس امرأة