عندما عادت زوجته اقوي من كل مرة

موقع أيام نيوز

وحبس الجميع أنفاسهم. واصل الدكتور عبد الرحمن حديثه
إن الفصول الثلاثة الأولى من هذه الأطروحة، وخاصة الجانب التحليلي والإحصائي المعقد الذي أبهر لجنة المناقشة الدولية، ما كان ليرى النور لولا الجهد العبقري والسهر الطويل للمهندسة المتميزة.. شمس.
ساد صمت كصمت القپور في القاعة. التفتت الرؤوس كلها نحو شمس التي كانت تجلس بهدوء، بينما تحول وجه شريف إلى اللون الأبيض الجداري، وكأنه تلقى صڤعة فيزيائية على وجهه. ليلى تيبست في مكانها، وشعرت بأن القاعة تدور بها.
تابع الدكتور عبد الرحمن لقد كانت المهندسة شمس هي العين الساهرة، والعقل المراجع، واليد المانحة التي مولت وساندت هذا العمل منذ أن كان فكرة جنينية حتى أصبح واقعًا. ووفاءً للعلم، يسعدني ويشرفني أن أقدم لها درع التقدير الخاص من كلية الهندسة كشريك أساسي وخفي في هذا النجاح.
اڼفجرت القاعة بأكملها بتصفيق حاد ومستمر. وقف الأساتذة، والطلاب، والحضور جميعًا يصفقون لشمس. كان تصفيقًا حقيقيًا نابعًا من إعجاب واحترام لامرأة ظُلمت فانتصرت بصمتها وعملها.
وقفت شمس ببطء، وابتسامة رقيقة وراقية ترتسم على وجهها. صعدت السلالم نحو المنصة بخطوات ملكية. استلمت الدرع من يد الدكتور عبد الرحمن الذي انحنى لها تقديرًا.
أُعطيت شمس الميكروفون لتقول كلمة قصيرة.
نظرت شمس إلى القاعة، ومرت عيناها على شريف الذي كان يجلس مطأطأ الرأس، وعيناه تملؤهما الخيبة والندم، بجانب ليلى التي كانت تبدو صغيرة وضئيلة جدًا في تلك اللحظة.
قالت شمس بصوت واضح، قوي، وناعم كالحرير
أشكر جامعة القاهرة، وأشكر الدكتور عبد الرحمن على هذا التكريم الذي أعتبره رد اعتبار لكل دقيقة سهر، ولكل جهد بُذل في سبيل العلم. أود أن أقول كلمة واحدة للجميع إن بناء البيوت ناطحات السحاب يحتاج إلى أساسات قوية تحت الأرض لا يراها أحد.. ولكن عندما ترتفع البناية، يجب ألا ننسى أبدًا أن الأرض هي التي تحملها. ومن ينكر فضل الأرض التي وقف عليها.. يسقط مع أول هزة ريح. شكرًا لكم.
الفصل الثامن النهاية.. حيث تشرق الشمس دائمًا
نزلت شمس من المنصة والدرع في يدها. لم تنتظر نهاية الحفل، ولم تلتفت خلفها. مشيت نحو باب الخروج بخطى ثابتة، ترافقها صديقتها رنا التي كانت تبكي فرحًا وفخرًا بها.
بمجرد خروجها إلى الردهة الخارجية المؤدية إلى حديقة الجامعة، سمعت صوت خطوات سريعة تجري خلفها.
شمس! شمس.. انتظري أرجوكِ!
التفتت شمس بهدوء لتجد شريف واقفًا أمامها، يلهث، والدموع تحتبس في عينيه. كان يحمل درعه، لكنه بدا كمن خسر كل شيء. ليلى لم تكن معه؛ بقيت في الداخل تواجه نظرات الهمس والسخرية من الحضور.
قال شريف بنبرة صوت مکسورة، خالية من أي غرور
شمس.. أنا.. أنا آسف. لم أكن أعلم.. لم أكن أدرك قيمتكِ إلا الآن. لقد أعمى الغرور عيني. أنا مستعد لتصحيح كل شيء.. أرجوكِ، لنبدأ من جديد. هذه الدكتوراه لا قيمة لها بدونكِ.
نظرت شمس إلى الرجل الذي بكت من أجله شهورًا، وسهرت من أجله سنوات. نظرت إلى ساعته الغالية، وبدلته الأنيقة، وشهادة الدكتوراه في يده. ولم تشعر تجاهه بأي كره، ولا بأي رغبة في الاڼتقام. شعرت فقط بشيء واحد العدم. لقد أصبح بالنسبة لها مجرد غريب لا يربطها به شيء.
ابتسمت شمس ابتسامة هادئة، ونظرت في عينيه وقالت بثقة لم تهتز
دكتور شريف.. لقد انتهيتَ من أطروحتك، وأنا انتهيتُ من قصتك. المړضي لا يعودون إلى المستشفى بعد الشفاء، وأنا شفيت منك تمامًا. مبروك عليك شهادتك.. ومبروك عليّ حريتي ونفسي.
واستدارت، ومشت نحو سيارتها المنتظرة بالخارج.
ركبت السيارة مع رنا، وانطلقت بهما في شوارع القاهرة المضيئة. نظرت شمس من
النافذة إلى النجوم في السماء، وأخذت نفسًا عميقًا وعميقًا، لأول مرة منذ ست سنوات، شعرت بأن صدرها يتسع للحياة بأكملها.
لقد انقشع الضباب، وسقطت الأقنعة، وخرجت من المعركة ليس فقط منتصرة، بل مطهرة من كل حزن. أما شريف، فقد بقي واقفًا في ردهة الجامعة، يحمل درعًا من الخشب والبرونز، في قاعة فارغة، يدرك تمامًا أنه حصل على لقب دكتور.. لكنه خسر الإنسانة الوحيدة التي جعلت لهذا اللقب معنى.

تم نسخ الرابط