حاډث اليم بقلم رحاب المغربي
لا. لقد علمني الألم أن أقدر النعم الصغيرة علمني أن أتمسك برحمة الله علمني أن لا أستسلم مهما اشتد الظلام.
اليوم وأنا على أعتاب الخمسين أنظر خلفي فأرى رحلة طويلة مليئة بالدموع والابتسامات بالأحزان والأفراح. رحلة صعبة لكنها جعلتني أقوى. لم أعد تلك الفتاة البسيطة الحالمة فقط بل أصبحت امرأة ناضجة تعرف أن الدنيا لا تعطي دائما ما نتمنى لكنها تعطينا ما نحتاجه لنكبر ونتعلم.
كم هو جميل عوض الله وكم هو عظيم رحمته. لقد أخذ مني شيئا لكنه أعطاني أضعافه. أخذ مني القدرة على الإنجاب لكنه أعطاني قلبا واسعا يحتضن بنات غيري وكأنهن بناتي. أخذ مني خطيبا خذلني لكنه أعطاني زوجا صالحا يملأ حياتي حبا وأمانا.
إنني اليوم أبتسم وأقول الحمد لله على كل ما مضى الحمد لله على الصبر الحمد لله على العوض.
بعد أن أغلقت الباب في وجه خطيبي السابق جلست على الكرسي في غرفة المعيشة وضعت يدي على صدري وشعرت براحة لم أعهدها منذ سنوات طويلة. كنت أتصور أن لقائي به من جديد سيعيد لي الألم لكن على العكس كان ذلك اللقاء بمثابة الدواء الأخير لچرح قديم ظل ېنزف داخلي لسنوات. حين رأيته مكسورا كما كسرني من قبل علمت أن الله عادل وأن الحق لا يضيع مهما طال الزمن.
في تلك الليلة لم أنم سريعا. جلست مع نفسي طويلا أسترجع شريط حياتي منذ البداية. تذكرت أول لحظة رأيته فيها حين جاء يخطبني كيف كان يبدو واثقا مبتسما وكيف تعلقت به روحي وظننت أنه سيكون سندي طوال الحياة. تذكرت ليالي الخطوبة التي كنا نضحك فيها ونرسم أحلامنا على جدران المستقبل. تذكرت يوم الحاډثة المشؤومة وكيف اڼهارت كل تلك الأحلام في لحظة وكيف كشف ذلك الامتحان المعدن الحقيقي لمن كنت أظنه حبيبي.
أدركت حينها أن الله لم يكن يعاقبني عندما أخذ مني القدرة على الإنجاب بل كان ينقذني من حياة كنت سأعيشها مع رجل لا يعرف معنى الحب ولا معنى الرحمة. كنت سأكتشف قسوته عاجلا أو آجلا لكنه سبحانه أظهره على حقيقته منذ البداية.
بعدها نظرت إلى حياتي مع زوجي وبناته فوجدت أنني لم أخسر شيئا بل ربحت كل شيء. وجدت الحب الصادق الرحمة والاحتواء. وجدت معنى الأمومة الذي ظننت أنني فقدته. صرت أقول في نفسي لقد أخذ الله مني شيئا صغيرا ليمنحني شيئا أعظم بكثير.
كانت علاقتي بابنتي تكبر يوما بعد يوم. في البداية كان بيننا بعض الخجل فهما لم تعتادا أن تحتضنهما امرأة غير أمهما. لكن مع الوقت ومع كل ابتسامة واهتمام صغير بدأ الجدار بيننا يذوب شيئا فشيئا. كنت أعد لهما الطعام المفضل وأقص عليهما القصص قبل النوم وأساعدهما في حل الواجبات. شيئا فشيئا صارتا لا تنامان إلا بجانبي ولا تهدآن إلا في حضڼي.
وذات يوم بينما كنت أجلس معهما في الحديقة نلعب سويا نظرت إلي إحداهما بعينين صغيرتين مليئتين بالبراءة وقالت ماما أنا سعيدة إنك معانا. شعرت وقتها أن دموعي تنزل بلا إرادة. كانت كلمة ماما بالنسبة لي أثمن من أي كنز أثمن من الدنيا وما فيها. احتضنتهما بقوة وقلت وأنا أسعد لأنني معكما.
أما زوجي فكان رجلا يعرف كيف يحتوي چرح امرأة. لم يذكر يوما أنني لا أنجب لم يسألني عن الماضي بل كان دائما يقول لي الحاضر هو ما يهمني وأنت كل حاضري. كنت أرى في عينيه صدقا يداوي كل ما كسرتني به الأيام.
ومرت الأعوام كبرت الفتاتان دخلتا المدارس ثم الجامعات وأنا