حاډث اليم بقلم رحاب المغربي

موقع أيام نيوز

محبات.
مضت السنون بسرعة لم أشعر بها كأن الأيام كانت تركض بي ركضا وأنا أعيش بين ضحكات البنات وحنان زوجي وسکينة البيت الذي منحني الله إياه. صرت أنظر إلى المرآة فأرى التجاعيد قد ازدادت على وجهي لكني لم أعد أراها قبحا أو دليلا على الحزن بل علامات حياة مليئة بالتجارب والدروس. لم أعد تلك الفتاة التي تبكي على وسادتها كل ليلة بل أصبحت امرأة ناضجة تعرف قيمة كل لحظة وكل نعمة وكل عوض من الله.
كنت أجلس أحيانا مع بناتي وقد كبرن وأصبحن شابات جميلات ناضجات ونتحدث عن الماضي. كنت أروي لهن قصتي بصدق كيف فقدت قدرتي على الإنجاب وكيف تركني خطيبي الأول وكيف ظننت أن حياتي انتهت لكن الله كتب لي بداية جديدة معهن. كنت أراهن ينظرن إلي بإعجاب وتقول إحداهن ماما أنت أقوى امرأة نعرفها. حينها أشعر أن قلبي يكاد ينفجر من الفرح وأحمد الله أنني لم أستسلم ولم أضعف أمام قسۏة القدر.
وذات مساء جلست في غرفتي وحدي أتأمل. نظرت من النافذة فرأيت الأطفال يلعبون في الشارع تذكرت دموعي القديمة حين كنت أرى أطفال الناس وأشعر أنني محرومة من هذه النعمة. لكنني اليوم لم أشعر بالحرمان بل شعرت بالشكر. لأن الله عوضني بأمومة أوسع وأجمل. لم تكن الأمومة عندي مجرد ولادة طفل من رحمي بل كانت تضحية ورعاية واحتضان قلوب صغيرة احتاجت إلي بقدر ما احتجت إليها.
ثم تذكرت ذلك الرجل خطيبي السابق الذي عاد إلي يوما بعد عشر سنوات يطلب الرجوع. قلت لنفسي كم كنا مختلفين أنا وهو! أنا اخترت الصبر والرضا أما هو فاختار القسۏة والجفاء. أنا بحثت عن الرحمة وهو بحث عن المصلحة. لذلك عوضني الله وتركه هو يعيش وحيدا. لم أعد أحقد عليه لكني لم أعد أهتم أيضا. صار مجرد ذكرى بعيدة ذكرى علمتني أن لا أثق في الكلمات وحدها بل في الأفعال.
ومع مرور الأيام جاء وقت آخر أكثر عمقا. تزوجت ابنتاي ورزقتا بأطفال. أصبحت جدة كما يناديني أحفادي الصغار. كم كانت لحظة غريبة حين سمعت أحدهم لأول مرة يقول لي تيتا. لم أتمالك دموعي. كنت أحمل بين ذراعي طفلا لم أنجبه لكنه يناديني باسم الأم الكبرى اسم يحمل في طياته كل ما تمنيت. شعرت حينها أن الله لم يعوضني فقط بل أكرمني بأضعاف ما فقدت.
كنت أجلس مع أحفادي وأروي لهم القصص كما كنت أفعل مع أمهاتهم يلتفون حولي ببراءة وضحكات وأنا أقول في نفسي سبحانك يا رب من كان يظن أن تلك الفتاة التي بكت لأنها فقدت رحمها ستكون يوما محاطة بأطفال ينادونها ماما وتيتا
زوجي كان يكبر في السن هو الآخر لكن مودة الله التي وضعها بيننا لم تنقص بل زادت. كنت أعتني به كما أعتنيت ببناته من قبل وكان يردد دائما أنت أفضل ما حدث لي في حياتي. وكنت أرد عليه بل أنت عوض الله لي أنت والفتاتان وكل ما جاء بعدكما.
وفي لحظات السكون كنت أجلس مع نفسي وأكتب. كنت أكتب قصتي كأنني أريد أن أتركها للأجيال القادمة كدرس كرسالة تقول لهم لا تيأسوا مهما اشتد البلاء فالعوض آت لا محالة. أردت أن يعرف الجميع أن الأمومة ليست رحما فقط وأن الحب الحقيقي لا يقاس بالإنجاب أو المال أو المظاهر بل يقاس بالرحمة والصدق والصبر.
تخيلت لو أنني استسلمت يومها بعد الحاډثة أو لو أنني صدقت أن حياتي انتهت لما وصلت إلى هنا. لكنني اخترت أن
أتمسك
بخيط الأمل أن أثق بالله أن أؤمن أن لكل شيء حكمة وأن وراء كل محڼة منحة.
اليوم وأنا أنظر إلى حياتي أبتسم وأقول نعم لقد خسړت شيئا يوما ما لكن الله عوضني بما هو أجمل. نعم بكيت كثيرا لكن تلك الدموع كانت وقودا جعلني أقوى. نعم صدمت وخذلت لكنني وجدت في النهاية من يستحق قلبي.
لقد علمتني الحياة أن الرجل الذي يتركك في شدتك لا يستحقك وأن من يختارك رغم كل الظروف هو الحب الحقيقي. علمتني أن الصبر طريق طويل لكنه يؤدي دائما إلى باب الڤرج. علمتني أن الرضا بالقضاء هو مفتاح السعادة وأن الله لا يخذل من يقول رضيت يا رب.
وهكذا أعيش الآن بين أبنائي الذين لم أنجبهم من رحمي لكنهم أبنائي من قلبي وبين أحفادي الذين يملأون البيت صخبا وضحكا وبين زوجي الذي ظل سندا لي حتى كبرنا معا. لم أعد أنظر إلى نفسي كعقيم بل كأم كاملة الأمومة كجدة مليئة بالحنان.
وحين أجلس في الليل وأرفع يدي إلى السماء لا أطلب شيئا سوى أن يحفظ الله عائلتي وأقول الحمد لله الذي أخذ ليعطي الحمد لله الذي عوضني خيرا الحمد لله الذي علمني أن أكون أقوى.
إن أجمل عطاء هو عطاء الله وأعظم عوض هو عوضه. نعم كم هو جميل عوض الله وكم هو عظيم رحمته.

تم نسخ الرابط